اللطف


بقلم المطران جورج خضر


اللطف موقف وقناعة قبل ان يكون خلقاً وسلوكاً. والموقف هو انك مع الآخر في وحدة وجود وهو منحى المشاركة بحيث تقدر على ان تقول هذا لحم من لحمي وعظم من عظمي. هذا من الـ "نحن" الذي أكونه معه فلا يبقى هو هو الا اذا كان هو أنا وصرت أنا اياه بفضل الله علينا جميعاً. وهذا لا يحتاج أبداً الى ان أصنفه دينياً او قومياً فأنت تحبه ولو قبح وجهه أو ساءت سيرته ولا أنت تتوقع منه تجاوب حب أو مرافقة أو انسجام رأي لأن العطاء مجاني كعطاء الله والرب ما سألك عن رأيك لما أحبك وكنت حبيبه قبل ان تولد أي لما كنت فكرة في أزلية وجوده.


غير انك ذو اعصاب وانفعال وتأتيك الصدمات من كل جانب بدءاً من المثقفين ان كنت منهم. فطراوة النفس لا علاقة لها بالعلم كما لا صلة لها بمستوى معاشك الاجتماعي. والذين يريدون سحقك أو تهميشك كثر اذا كنت ذا مواهب والناس لا يحبون ان تسطع الشموس ولا ان يجلس زملاؤهم على عروش المجد اذا المجد لم يتوافر لهم. لذلك امتلأت الارض شتيمة وحقداً وكيداً. الكثيرون الكثيرون "أظلم قلبهم الغبي" (رومية 1 :21). وما قال الرسول: أظلمت عقولهم فقد تكون مشبعة بالمعارف لكن قلبهم جاف. ويدعون الحكمة وليس من حكمة لأن هذه من القلب. انت تعيش في عالم "بلا فهم ولا عهد ولا حنو ولا رضى ولا رحمة" وتبغي ان تكون ايقونة المسيح لأنك أنت لا تأتي منهم وأنت نازل من فوق وتعالج القوم بما تزودته من فوق اذ همك الوحيد ان يسلموا ويصحوا وينموا بالزاد الذي تعطيهم فانهم اعزة على سوئهم لأن ربك أعزهم وجعلهم ابناءه ولو عاقين.
وأنت تعلم ان القلب يحمل كل طاقات الفساد وتعامله بقلبك أنت الذي يحمل جمالات هم غير قادرين على تخيلها اذ حجب الاثم الحق الذي ربما تراءى لهم في اوان الرضى. وانت لا تقتحم نفوسهم الا بالحق الذي نزل عليك واحتضنك. ليس انك لا ترى قباحاتهم ولكنك تحسبها من لوثاتهم التي تدغدغهم ويحسبون انها فيهم مصدر ذكاء.
طبعا هم موقنون انك غبي. لذلك ليس بينكم من تحاور وما من تقدير متبادل. غير انك تسلك طريقك اليهم، هذه التي رسمها الله لك لما اقامك في حنوه وجعلك مصدر حنو اذ يتم الله عمله بأحبائه. الله ايضا يسعى ولا يقهر وينتظر رجوع المارق الى أبد الآباد.


العهد الجديد يقول ان اللطف موهبة من مواهب الروح الإلهي. فاذا انسكب عليك تعامل الناس به ولا تعاملهم بالغضب الذي هو جواب عن غضب الذين لم ينزل عليهم الروح.

والغضب يأتي من روح بشرية لم تسلم لله. وانت لا تستطيع ان تواجه الا بالروح الذي أتى عليك، امامك نتوء، لا تكسره بنتوء هو أصلاً ليس فيك. ولهذا كتب: "لا تقاوموا الشر بالشر" لأنه لا يشفي الشر المقابل، المحب يقابل الشرور بما عنده لأنه هو وحده الدواء. وأهل السماء يزرعون السماويات. قد يحصدون وقد لا يحصدون ولكنهم استلموا الزرع الإلهي الذي يبددونه على كل القلوب ناظرين الى من وهبهم وراجين الإصلاح بروح الوداعة.


لفتني منذ بضع من السنين قولة يسوع: "تعلموا مني اني وديع ومتواضع القلب" (متى 29:11). لماذا لم يذكر السيد فضيلة أخرى في نفسه وفضائله كثيرة؟ كان جوابي لنفسي ان حسنة لا تعلو هذه الحسنة فالوداعة والتواضع واحد اذا كان تواضع الانسان ان يحسب نفسه كلاشيء. ويعرف عند ذاك ان وداعة المخلص قد نزلت عليه. لذلك يصبح على مثال المسيح الذي قال عنه الإنجيل: "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفىء" (متى 19:12 و20). طبعاً الوديع يلوم في أوان اللوم وقد يؤنب غير صارخ ولكنه في كل هذا لا يستعلي أي انه لا يحسب نفسه خيراً من الذي هو يلومه. قال لغاندي اتباعه: "لماذا لا تقاوم العنف وقد طرد يسوع الناصري الصيارفة وباعة الحمام في الهيكل. أجابهم اذا استطعتم ان تكونوا على وداعة المسيح لما استعمل السياط فهذا لكم".


لك ان تكون شديداً ، حاداً ولكن ليس لك ان تكون عنيفاً لان في هذا كسراً للآخر. تكون قد رضضت القصبة أو كسرتها أي تكون محوت الآخر وبقي على شره وانت طبيب لمن لمست فيه سوءاً . فتغض الطرف عن السوء وتؤتي الانسان الشيء دواء لانك تحب نفسه حباً كلياً أيا كان موقفه منك. وأنى للشرير ان يعرف لطف الله ما لم تلطف انت به لكون الصالحين أدوات الله ليكشفوا خصاله وانت لا تبغي ان يعترف بك الأشرار ولكن ان يعترفوا بعطايا الله لهم.


وقد يتهمك الأغبياء بالضعف لظنهم ان اللطف ضعف. هذا شأنهم وانت معهم على الرجاء الى ان يفهموا قوة الرأفة والرأفة مولدة ذلك الحنان الذي به تضم الآخرين الى ربهم علهم يفعلون. وقد يمتحنك الشيطان ويزين لك ان اخلاقك لا تنفع لانها ليست من هذه الدنيا ولكنك اخترت الا تكون انت من هذه الدنيا لانك لا تأتي منها وتعرفها تافهة مع التفهين وفانية بالفانين. غير انك تقوى بهذا الذي كلفك لعلمك انك اليه عائد في كل حين. هم هزلوك ولكنك لست وحدك لانك عشير الله وهذه القلة من محبيه. تعرف انك تنزل السماء على الأرض.
محنة الإنسان اللطيف في زمرة تترصده في كل أيامه. في دقائق يومياته، لأنها لا تتحمل وداعته وليس له إلاّ ان يتحملها بصبر كبير موصول. هناك من لا يعيش الاّ بالمشاجرة، بالحكم على الغير، بالدينونة، بالتسلط، ليس للطيف حق في تدبير أمره كما يفهم. ينبغي ان يتبنى فهم القساة، الذين يحسبون ان هذا الكوكب الأرضي لا يمشي الا وفق احكامهم.


الى هذا كله اللطف يمارس بالدرجة أولاً مع المساوين لك في المنزلة ومع من كان دونك في الترتيب المجتمعي ذلك ان الذي كان أعظم منك شأنا في الدنيا كثيراً ما يملي عليك. معظم الذين في المقامات العلى يعتبرون ان مناصبهم تعطيهم الحق في كل شيء. هذه اساءة لاستعمال السلطة ولكن من يرد هؤلاء. أما المساوون لك فكثيراً ما لك ان تناقشهم ولكنك لا تنجح دائما بمسعاك. انت تعرف حقيقة لطفك ان مارسته مع ابنائك وبناتك أولاً وجعلتهم لك رفقاء فكر ورفقاء قرار. ولا أتكلم عن زوجتك فإنها مغبونة في كثرة من الاحوال لتفسيرك الذكوري لنصوص دينية في هذا المذهب وذاك.


غير ان انسانيتك يجب الرجوع اليها باستمرار في معاملتك لموظفيك وللخادمة في بيتك اذ ينبغي ان تعلم ان كل هؤلاء بشر وانك مدعو الى ان تترفع عن الإذلال وشر ما فيه انك تحسب ان المال الذي تدفعه للخادم يجعلهم أسراك.


بالصوت الهادىء دائما، بالكلمة لا عدوان فيها، بشعورك ان الآخر دائما يعليك ويطهرك تسير فقط تحت نظر الله والناس ناسان: من يعيشون برؤية الله اياهم فيتكونون وأولئك الذين يتكونون من رؤية البشر اياهم وتعدمهم هذه الرؤية أحياناً .


واذا كنت فقط في إشراف ربك عليك ولطفك اسر حقيقة لأنك تعترف بحرية الغير وتراه دائماً أقرب الى الرب منك. هذا الإحساس شرط اللطف العظيم.


المطران جورج خضر

 

المجموعة: في الفلسفة والفنون

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

   - طاولة الزمرد

أركيولوجيا غير إعتيادية

   - سلسلة مباني عملاقة

   - نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال-

في التاريخ والأركيولوجيا

   - البحث عن اسرائيل الكنعانية